في رفض إرهاب الميليشيات. .والميليشيات المضادة 

%d9%81%d8%aa%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%b1الوطن برس/ كتبه – فتحي أبو النصر

دائما،  تتحول الجماعات الدينية، ذات السلاح المنفلت، والتي لا تمتلك أي مشروع سياسي حديث، إلى عقبة كأداء أمام تشكل ملامح دولة قادمة.. على أن هذا هو مايدركه الحزب الإشتراكي اليمني،  والتنظيم الوحدوي الناصري، جيدا.

فيما يتطلب ملف مكافحة الارهاب في اليمن، تحريره من المراوغات والتنصلات والتسويفات، غير المتصلة بأحلام تحقق الدولة اليمنية المتعافية التي ننشدها جميعا ، وهي مراوغات وتنصلات وتسويفات، ذات صلة، بالحسابات والمصالح المحلية والإقليمية والدولية المهيمنة، الراعية للميليشيات ولأجنداتها اللاوطنية ، كما يبدو واضحا .

بمعنى أن تكريس النزاع المسلح ، في ظل عدم تجسيد وامتثال قوات الشرعية، لمضامين واضحة ، ضد الإرهاب والتطييف ، لابد أن يفتح الباب على مصراعيه لانتشار قوى الإرهاب فقط، ما يمثل مخاطر جسيمة على أمن اليمن، وكذا أمن البحر الأحمر ، المتصل بالأمن الخليجي والعربي والدولي معا.

والثابت أن مكافحة الإرهاب، هي معركة لاتنفصل عن المعركة مع الإنقلابيين ، بلاشك، فإذا كان صحيحاً أن الشرعية تفكر بمواجهة مشاكل الميليشيات على كل المستويات ، فعليها التفكير بمواجهة مشاكل الإرهاب من كل النواحي .

أما عن مكافحة الإرهاب، فيفترض أن تكون إستراتيجية يمنية سعودية مصرية اماراتية مشتركة، لامهادنة فيها أو هكذا يفترض.

وبشكل خاص ، لاينبغي إستمرار التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب بقيادة السعودية، كمجرد تحالف شكلي أو وهمي،  بحسب ما يتهم من قبل مناوئيه.

وأما بيئة إسقاط الدولة وانهيار مؤسساتها، فهي كانت وماتزال، البيئة الفضلى والمثالية لترعرع استراتيجية الإرهاب والميليشيات.

ولذلك ينبغي الدمج المتسارع للمقاومة في نواة الجيش، وحتى لاتصبح المقاومة ذريعة للإرهاب.

ثم إن “القاعدة تستوعب المجتمعات المحلية في التجنيد تحت مبرر قتال الحوثيين، فيما يحشد الحوثي الدعم تحت مبرر مكافحة الإرهاب”.

وبما أنه، كان لا يمكن التغاضي عن جموح السلاح الحوثي المنفلت خارج نطاق الدولة، لايمكن على الإطلاق بالمقابل الإنسجام مع جموح السلاح القاعدي.

وفي هذا السياق،  يبدو من اللائق، الإحتفال بتخرج أولى دفعة في مكافحة الإرهاب ، قبل أيام، في عدن.

وتحديدا فإنه بشأن جزئية مكافحة الإرهاب والقوى الانقلابية معا ، تأمل القوى المدنية والسياسية، من الحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري، تفعيل توافقاتهما المعلنة وتحويلها إلى خارطة ممكنة على الواقع، وذلك بالعمل مع بقية القوى التي في صف الشرعية من التي غايتها استعادة الدولة التي تحتكر السلاح ويسودها القانون، وأيضا حتى لاتتمدد القوى التي في صف الشرعية – أو خارجها مثلا – بينما غايتها التفرد أو  الفوضى فقط . فبحسب بيانهما الأخير،  يعلم الحزب والتنظيم أن المسارين العسكري والسياسي، لاينفصلان عن بعضهما، من أجل مكافحة حقيقية ومتكاملة، لميليشيات الإرهاب والإنقلاب على نحو جاد وفاعل ، إذ مادون ذلك ليس سوى الوعي الانفعالي بالمخاطر الميليشياوية وترحيلها،  لا أكثر ولا أقل.

بالتالي فإن على كل القوى غير الانقلابية ، استيعاب هذه التحديات الضخمة،  ومعنى أن تكون الشرعية صمام أمان للهوية اليمنية العليا، مالم فإن معاناة اليمن ومآسي اليمنيين التي تتفاقم باضطراد، ستزداد فقط.. ونخشى أن يجد الشعب نفسه أمام تطلعات استبدادية واحتكارية جديدة مذهبية أو مناطقية.

كما على الجماعات الدينية المتنوعة في الساحة، وبالذات المصطفة مع الشرعية، التأكيد على إحترام فكرة الدولة ، والوقوف ضد تطييف الصراع ، مثلما التصدي لثقافة التكفير والإرهاب ، و الميليشيات والاصطفاءات.

بمعنى آخر ، لابد من نبذ وعي السلاح المنفلت ، أيا كان مصدره، لإنقاذ البلد من شرور الميليشيات المتناسلة، وتجنب آثارها المدمرة على الدولة والمجتمع .

فالجماعات المسلحة التي تغلب التشبث بسلاحها داخل إطار الشرعية، وترفض الانصياع العسكري الجامع لأوامر  الجيش الموالي للشرعية، لافرق بين منطقها ومنطق الإنقلاب.

كما لايمكن مكافحة الإرهاب والميليشيات معا،  مالم تتفق كل القوى على استنكار ورفض كل من يحرفون الصراع بمضمونه السياسي الإجتماعي الإقتصادي، ويحولونه إلى مجرد صراع مناطقي أو مذهبي طائفي صغير ، لايصب في صالح مشروع إستعادة الدولة اليمنية التي توفر المصالح لكل مواطنيها ، وتصون الأمن الإقليمي الضامن للسلام المستقبلي .

وبالتأكيد فإنه  من شأن هذه التوجهات الناضجة،  أن تضع حدا لمايجري من تعبئة المجتمع بمشاعر الكراهية العقائدية والجهوية الممقوتة ، التي تعمق الإنقسام الوطني الذي لا اخطر منه.

وأما الحرب على كل أنواع الإرهاب، فتتطلب إستراتيجية  شاملة، لا ينبغي تجييرها لأي أغراض فئوية، أو  تستعلي على منطق الدولة، أو اتخاذها ذريعة لشن حروب تطييفية، تزيد في إذكاء سعار الإرهاب.

واما الماثل أمامنا اليوم، فهو أن انهيار الدولة، يعد الإرهاب الأكبر، بالطبع.

وبالمحصلة يبدو من الصعب طبعا ، أن يستسيغ الاشتراكي والناصري ، شتى صنوف العبث الذي يمارسه البعض، داخليا وخارجيا.

بل على جميع قوى الشرعية الإنصات لبعضها البعض ، وتقديم التنازلات والمساندات المتبادلة، والغوص عميقا في تحولات المشهد ، وتداعياته الفادحة على أكثر من صعيد، محليا وإقليميا ودوليا.

والصحيح أن هناك أخطاء للمقاومة- ذات التضحيات الجليلة التي لاينكرها أحد- لكن الوعي المسؤول يتطلب نقدها أولا بأول، بغية ترشيدها، ومن موضع الحرص، و كي لاينفرط وعي السلاح المنفلت الذي لايوطد وعي الدولة، ويتم استسهاله،  لتتراكم كوارثه .

لكن الأهم،  هو أن تراجع السعودية خطابها الأصولي المتشدد أيضا،  و الذي يتهم بتغذية الإرهاب منذ عقود.

بينما يبقى الإختبار الكبير،  قائما على كاهل السعودية التي تقدم نفسها كمحاربة للإرهاب، وهي خير من تعلم، الفرق الجوهري بين الأقوال والأفعال،  فضلا عن أن النوايا وحدها لاتكفي.

ثم انه في هذه المرحلة المفصلية،  على المستويين الإقليمي والدولي،  وعلى كل الأصعدة السياسية والفكرية أيضا ، ينبغي الإدراك بأنها الفرصة المثالية للإصلاحات الدينية التي تأخرت كثيرا .  ذلك أن الأصولية هي من تغذي الإرهاب، فيما الإرهاب هو صديق الأنظمة العربية المستبدة من ناحية، ومن ناحية ثانية هو صديق الأنظمة الإمبريالية الدولية التي تدأب على تفكيك المنطقة وتقاسمها، خصوصا بذريعة الإرهاب وعبر تغذية الميليشيات.

وكمثال، صارت تطلق تسمية “الجيش الوثني” من قبل عناصر ” أنصار الشريعة” في مدينة تعز، جهارا على القوات التي توصف من قبل اعلام الشرعية، بالجيش “الوطني”.

في حين أن أنصار الشريعة هؤلاء، هم جماعة تتبع تنظيم القاعدة، وتعد احدى فصائل المقاومة هناك، وهي منذ 20 شهرا تخوض، معارك باسم الشرعية ضد مليشيات الحوثي وصالح تحت شعار إسقاط الانقلاب.

ولقد وزعت هذه الجماعة،  خلال الأسبوع الماضي، منشورات في عدد من أحياء المدينة، تحتوي على تكفير لكل من يلتحق بالجيش ، كما تحرض على مخرجات الحوار الوطني أيضا .

ومالم يتوحد الجيش ضد مثل هذه الجماعات ، وتتعامل معها الشرعية بحزم ، فمن شأنها أن تفاقم الإشكاليات العميقة للإرهاب ، و الميليشيات المنفلتة ، التي تستغل الشرعية لتنفيذ أجنداتها العنفية المأزومة.

ولعل المؤسفة بحق، هي تلك التسميات الفصائيلية الجهوية الطائفية والمناطقية للجيش،  سواء ماصارت تسمى جيش النخبة الحضرمية أو كتائب أبين،  مرورا بأسود السنة ، وكتائب أبو جلمبو إلخ.

ذلك انه مع إستمرار هذه التقسيمات الميليشياوية-من جانب الشرعية- لابد أن تصب في صالح الميليشيا الانقلابية المضادة، كما لايمكن الإنتصار لفكرة الدولة، عبرها، أو مكافحة الإرهاب.

وعلينا قبل فوات الأوان عموما، الوقوف ضد كل المشاريع التفتيتية للوطن، ولمؤسسة الجيش مرة أخرى.

ثم من ينكر تقاعس المؤسسة الدينية الإسلامية المحلية و العربية ،عن نقد واستنكار التوحش الإرهابي الذي يتم بإسم الإسلام في المنطقة.

بل اننا نحتاج إلى شجاعة متسقة ، لنقول أن الإرهابين السني والشيعي ، يستسقيان فتاواهم من كبار فقهاء المذاهب. والأنكى أن كل طرف متحيز يدين إرهاب الطرف الآخر فقط ويبرر لإرهابه.

وما مئات الجماعات المسلحة في سوريا كمثال ،إلا السبب الجوهري في تطييف وحرف الثورة السورية العظيمة عن مطالبها في دولة مواطنة وديمقراطية وتمدن.

وأول خطوة لمكافحة الإرهاب يمنيا، تكمن براينا في تماسك الجبهة المقاومة ، وعدم إستمرار الشرعية في غيبوبتها ذات المخاطر الكارثية.

وبالتأكيد،  يتعامى كل من لايرى أن الإرهاب يصب في خدمة الإنقلاب للأسف.

وهناك مؤشرات أكثر من واضحة،  على إستخدام القاعدة وتخليق داعش ، لخلط الأوراق على الشرعية..في حين يدأب مناهضي الشرعية على فرص استثمار التوجه الدولي ضد الإرهاب لصالحهم .

لذا يبقى المطلوب من الرئيس هادي ومعه دول التحالف العربي،  مواصلة التعهد باستمرار مشاركتهم في الحرب ضد الإرهاب .

وبما أن تواجد القاعدة في اليمن خطر حقيقي، لا يمكن التقليل منه، إلا أن الدولة ملزمة بمحاربة الإرهاب، وليس مليشيا طائفية تزيد من إنتشاره.

والأسوأ أن هناك من يسعى إلى تخيير اليمنيين بين القبول بسلطة الإنقلاب أو توحش تنظيم القاعدة مثلا.

وأما  أمريكا، فيؤكد الواقع تطويقها للتطرفين الشيعي والسني، وفق مصالحها، لامصالح الشعوب المتضررة منهما.

وطبعا، لايهم الآن التذكير بالمسرحيات والشعارات المتطرفة المضادة لأمريكا من قبل الإرهاب لأنها مسرحيات وشعارات مفروغة من الداخل، ولاتدفع ثمنها سوى الدول التي ابتلت بالإرهاب.

كما لايعني شيئا القول بأن أمريكا رعت التشدد السني واستفادت منه مرارا ، مثلما هي الآن أكثر استفادة من الإرهاب وتأجيج التطييف السني الشيعي بالمنطقة إلخ .

كل ذلك يعلمه الجميع.

غير ان الخلل الجوهري ، يكمن داخل منظومة الفقه الإسلامي المتطرف الذي لايحترم المدنية والديمقراطية والتعايش.. هذا الفقه كارثة على العرب والمسلمين، وهو يشوه الإسلام العظيم، كما يفسد السياسة،  جراء الإستغلال السياسي للدين.

والحال ان داعش ، هي أعلى تجليات المافيا الدولية لترهيب العالم، -اذا جاز التعيير-بينما صارت مكشوفة تلك القوى والدول التي تستفيد من جرائم مايسمى ب” الدولة الإسلامية” ، بمقابل أن أكثر الخاسرين هم العرب والإسلام السني الذي لم يخضع فقههه العنفي للتصحيحات وللإصلاحات اللائقة والمعاصرة  .

فبعيدا عن ذريعة المؤامرات، يبقى هذا الفقه الدموي المتوحش، هو الذي يوفر الحاضنات الإجتماعية والفكرية لداعش مثلا ..داعش التي ستفكك الدول والمجتمعات، أو على الأقل ستقوم بابتزازها وتصفية الحسابات معها بحسب مصالح المافيا الجديدة؛ هو نفسه أيضا داعش الذي يتكئ على منظومة فقهية تعادي مساعي السلام والاستقرار العالمي، كما تعمل بشكل ممنهج على تكريس النظرة التحريضية المتأججة ضد الإسلام بإعتباره خطرا عالميا.

لكن إذا كان داعش ليس هو الإسلام الحقيقي، فعلى فقهاء ومفكري الإسلام الوسطي العقلاني والحضاري و الديمقراطي المتسامح- غير الطائفي أو المبرر للإستبداد وللكراهيات وللتخلف ولتكفير الآخر- أن ينطقوا الآن الآن وليس غدا.!

والحال أن الأحداث التي تشهدها المنطقة ، من المفترض أن تقود إلى صدمة نهضوية عارمة في العقل العربي الإسلامي..صدمة تصحيحية لإبراز الوعي الديني الوسطي غير المتشدد، والذي لايتسبب في اقلاق السلام الإقليمي والعالمي .

ويبقى سؤال الإصلاحات الدينية ،هو الأكثر أهمية و إلحاحا، وهو ينطوي على كافة أسئلة التحولات الوجودية الكبرى الناشبة في المنطقة ، أسئلة التحديث والدسترة والدمقرطة والاقتصاد غير الريعي وتنمية مؤسسات الدولة وحقوق وحريات المجتمع .

ثم ان أعباء كبيرة ستقع على كاهل السعودية خلال المرحلة القادمة، تفرض عليها القيام بمراجعة شاملة لمسلماتها الداخلية ولعلاقاتها الإقليمية والدولية مع الجميع، وتحديدا مع القوى اليمنية غير المستغلة للدين ؛ وهي بلاشك ستنجح حين يكون تعاونها عبر الدولة لا عبر الجماعات أو الأشخاص، كما بخيارات وطنية وتنموية ،؛لابخيارات طائفية .

والشاهد أن من مصلحة السعودية نهوض الدولة في اليمن وليس العكس، بحسب ماكانت تكرسه سياساتها السلبية والتأزيمية طوال خمسين عاما الماضية.

وماحدث في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ كارثة انقلاب الحوثيين وصالح ، قد يكون فرصة لاتتكرر لإعادة ترتيب سياسة سعودية يمنية فعالة ومثمرة على قاعدة المصالح المشتركة لدولتين جارتين.

ثم أن الفقر وعدم التنمية في اليمن، من أسباب العنف والإرهاب المباشرة .

ثم ان السعودية استمرت تدعم انتشار الوهابية في اليمن، بينما تعرف جيدا بأن اليمني لا يطيق التطرف الوهابي أو الخميني على السواء.  بل ان اليمني مازال رغم كل شيء يضع اعتبارات كثيرة للعلاقات الجغرافية والتاريخية السعودية أكثر من التغلغل الايراني الذي سيرهق اليمن دون طائل ، علاوة على أن هناك 3 مليون يمني يعملون في السعودية، يعيلون ذويهم في اليمن ويساهمون في رفد الاقتصاد المتهالك بالتغطية النقدية إلى حد كبير ..  يأتي ذلك فيما الوهابية نفسها قد صارت عبئا كبيرا  للحاكم والمحكوم معا في المملكة المجاورة، مايتطلب الحد من الغلو الوهابي تجاه الحقوق والحريات في المقام الأول ، وعلاوة على ماسبق فإن الفكر التكفيري كان من أبسط نتائجه إخراج عدة أجيال من المشوهين المتلفين نفسيا  والمعقين فكريا الذين سيصبحون بحاجة ماسة هنا وهناك لتصحيح وجدانهم الخاطئ بالوعي الإنساني ، المنفتح و السوي .

ومهما تنافرت الوهابية والخمينية مع بعضهما مثلا ؛ إلا انهما تلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة ، وهي الإستبداد الفكري الذي يستغل الدين سياسيا ، ويتوسع لتقويض الدول واستلاب المجتمعات فقط .

وتعد هذه الجماعات المغلقة، نتيجة طبيعية للفهم الخاطئ للذات وللآخر، ولذلك فإنها على اختلافها تتوحد في طابع العنف واستحضار الماضي، كما تلاقي رواجا في ظل اضمحلال مشاريع الإجماع الوطني، ولنا أن نعزو قوتها اللا عقلانية إلى عدم البدء في مشاريع الإصلاح الديني الضرورية والمهمة .

ومن البدهي أن الجماعات الدينية المتعالية على هذا الطابع، مفصولة عن الإحساس المعاصر بالحضارة، ثم إن توقها التدميري أعمق من توق البناء.

وفي البدء، علينا أن نعترف بفداحة ما صنعه فقهاء السلاطين بالدين الإسلامي الشوروي العادل.. فيما الشورى هي نواة الديمقراطية.

ولعل تاريخ الكراهيات والحروب بإسم الدين، خير شاهد على الجناية التي تم ارتكابها ضد العقل العربي الاسلامي ومصائب الوعي الديني المغلوط الذي يغلق الإنسان ولايحرره.

والمطلوب في خضم هذه المرحلة العاصفة التي تعيشها المنطقة،  هو أن يصير الدين عامل تعزيز للمعرفة وللتقدم وللمستقبل، ومثار فخار حقيقي للشعوب التي تحكم نفسها بنفسها،  وتبدع وتتسامح وتتسق وتحترم الدين أكثر، من خلال فصله عن غايات الاستغلاليين من شتى الأنواع و الأصناف.

كما ان الشعوب المخدرة بذلك النوع من العصاب الديني غير السوي ستبقى بلا إنتاج مشرف ونوعي، بل وفي مدارات العنف والترهيب على نحو عبثي بائس.

وهكذا فإن أوهامها تمثل العبء الكبير على التحديث، لأنها في الأساس تمثل العبء الكبير على الحياة الجديرة بتراكم خبرات الإنسانية من أجل التمدن والرقي والدمقرطة والتفاعل اللائق مع العالم .

وليسقط كل من يزعمون كذبا وتدليسا أنهم يريدون تجسيد إرادة الله؛ لأن  إرادة الله تتجسد في البناء والسلام وليس في الهدم والترهيب، تتجسد في تنزيه الدين وليس في تلويثه.

وأما من ينكر أن الإرهاب قد تحول إلى ورقة هامة يتم اللعب بها بمكارة فائقة في الصراع السياسي والتحالفات الدولية ؛ فهو غبي أو يخدم مصالحه.. أما تلك القوى التي تستخدمه كقفازات رعناء دون أن تصل لمرحلة النضج بالمتغيرات والحساسيات العالمية، فخياراتها الوحيدة عدم الوصول لمرحلة الدولة الوطنية، وإنما تفكيك الدول بصيغة طائفية ، على أن تحكمها الميليشيات.

والشاهد يمنيا وعربيا، هو  أن خلو المجتمع والدولة من قيم ومبادئ الحرية والمساواة أمام القانون، سيظل ينتج صراعات وصدامات عنفية لاديمقراطية تشل الدولة والمجتمع معا.

ولقد كانت ومازالت الميليشيات، هي أعظم الشرور في هذا السياق، ذلك لأنها لاتخضع لمفهوم الدولة،  كما تريد إجبار المجتمع على أجنداتها وايديولوجياتها فقط.

غير أن تآكل الدولة هو الذي كان يسوغ لنمو الميليشيات تاريخيا..فالدولة المتحجرة ذات الاختلالات الوطنية الحادة، والتي تسرف في عدم معالجة قضاياها المتراكمة ، كما ترفض إعلاء مكانتها القوية في المجتمع،  ليس غريبا عليها أن تتحول إلى بيئة مثالية وخصبة للميليشيات .

وإذ تتنكر الميليشيات لكافة حقوق المجتمع، فإنها تدأب على أن تكون بمثابة الوضع الطبيعي الوحيد داخل هذا الوضع اللاطبيعي.

ولا أخطر اليوم طبعا من وضع إحلال العنف بدلا عن السياسة، وإدعاء الوصاية الجهادية على الدولة والمجتمع..لا اخطر من تقويض المشتركات الوطنية الكبرى، والإعتماد على زعزعة الإستقرار لمواصلة إزدهار تجار و تجارة الحرب.

وبإختصار شديد فإن أكثر التحديات تعقيدا في الدول العربية التي أصيبت بلعنة الميليشيا والميليشيا المضادة -واليمن على رأسها -هو اختراقها للجيوش المثخنة بالفساد والعصبوية، وتحويلها إلى تابع لها، مايعني الحط من قيمتها الوطنية الرمزية الجامعة ، وتلك هي الصدمة الوجدانية الكبرى التي -ولعدة أسباب متشابكة برأيي-صارت تبدد أكثر من غيرها الآن، مختلف آمال السلام والمصالحات المجتمعية، وإستعادة شخصية الدولة وجبر ضرر الحرب بأقل الخسائر، خصوصا مع الإرادات الغامضة التي تتحرك داخل المشهد-سواء مع الانقلاب أو مع الشرعية ولافرق-لتحويل الميليشيا إلى مصاف الجيوش، تماما كما نرى من حولنا هنا أو هناك، فضلا عن تحويل الجيوش إلى مصاف الميليشيا بالمقابل.. وهكذا للأسف، ولأسباب طائفية تشمل كل أسباب وفواعل الارهاب .

لكن من الخطأ حرف الدين عن جانبه الروحي، لتحويله إلى قوة سياسية لصالح حفنة من الاستغلاليين الطائفيين.

فالطائفية والطائفية المضادة من عوامل ازدراء الإنسان والوطن، ومهما طال الزمن سيفهم الجميع يوما بأن الخيارات الوطنية على قاعدة الدولة المدنية هي النجاة الوحيدة للبلد ومستقبلها،   كما يجب الإقرار التام أن الدولة المدنية لا تعادي الدين أبدا، وإنها تستمد سلطتها من القوانين لا من الفتاوى.

وفي السياق ليس من المعقول كل هذا التواطؤ القائم مع تذكية خيارات الصراعات الطائفية ضد التنوع العقدي في هذا البلد.. ولعل المطلوب وبشدة ان تتشكل حركة للإصلاح الديني تخلّص الدين من الشوائب والممارسات الخاطئة والتشويهية، حركة تجديد وارتقاء وسوية ولا عنف، حركة ترفض الاستغلال السياسي للدين وتطييف قضايا وهموم المجتمع.

فالطائفية والطائفية المضادة أبشع ما توصل له الإنسان من وعي مخبول، وهما تمثلان الانحراف الوطني الذي لا يطاق، فبسببهما تضيع قيمة المواطن كإنسان، كما بسببهما لا تتجلى غير التلاشيات الموحشة للإحساس الوجداني لمعنى الوطن كبوتقة لجميع أبنائه، ولهذا يصير الوطن أكثر من منفى، بل عامل تعزيز للكراهيات والهمجيات والاقتتالات والإرهاب والإرهاب المضاد، مايعني الإعاقة الرئيسية لأي تعايش وإبداع وسلام وتطور.

 

 

شارك الخبر

أضف تعليقك

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

2٬446 Spam Comments Blocked so far by Spam Free Wordpress